الأماكن · منطقة الجوف

منطقة الجوف، البحيرة والأعمدة وإبل الحجر

أكبر بحيرة في المملكة، وأعمدة الرجاجيل، وإبل منحوتة بحجمها الطبيعي قبل أكثر من سبعة آلاف عام، ومحطات للرياح والشمس في سهول الشمال.

الموقع والتسمية

تقع منطقة الجوف في شمال المملكة العربية السعودية، وهي إحدى مناطقها الإدارية الثلاث عشرة. يحدّها الأردن من الشمال، ومنطقة الحدود الشمالية من الشرق، ومنطقة تبوك من الغرب، ومنطقة حائل من الجنوب. وقد عبرها قديمًا طريق برّي يصل المملكة ودول الخليج بجيرانها في الشمال.

وتمتد على نحو 85 ألف كيلومتر مربع، أي 4.3% من مساحة المملكة، فهي تاسعة المناطق مساحةً. وتنخفض أرضها عمّا حولها من أراضي المملكة، ومن ذلك جاء اسمها؛ فالجوف هو المكان المنخفض. وعاصمتها الإدارية ومركزها الحضري مدينة سكاكا، التي توصف بأنها «البوابة الشمالية الرئيسة للجزيرة العربية».

السكان

بلغ عدد سكان المنطقة 595,822 نسمة وفق التعداد السعودي 2022، فهي العاشرة بين المناطق سكانًا، أي الرابعة بين أقلها سكانًا.

ويقيم 236,669 نسمة منهم، أي 39.7%، في سكاكا، كبرى مدن المنطقة وأكثرها سكانًا. وقد تضاعف سكان المدينة ثماني مرات بين سبعينيات القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة، فتحوّلت من تجمّع ريفي إلى مدينة نامية، ويبلغ معدل نموها السكاني 3.4%، ومساحتها نحو 100 كيلومتر مربع.

الإمارة والتقسيم الإداري

أُنشئت إمارة منطقة الجوف بعد توحيد المملكة، ويتولاها منذ عام 1440هـ (2018م) الأمير فيصل بن نواف بن عبدالعزيز آل سعود، ونائبه الأمير متعب بن مشعل بن بدر بن سعود بن عبدالعزيز، الذي عُيّن بأمر ملكي بالمرتبة الممتازة في 28 جمادى الأولى 1445هـ (12 ديسمبر 2023م). ومقرّ الإمارة في سكاكا على شارع مكة المكرمة، على بعد نحو 29 كيلومترًا من مطار الجوف.

ولا تحمل أي محافظة فيها اسم المنطقة؛ إذ تضم إلى جانب مدينة سكاكا ثلاث محافظات: القريات في الفئة (أ)، ودومة الجندل وطبرجل في الفئة (ب)، ونحو 33 مركزًا إداريًا.

المناخ وبحيرة دومة الجندل

مناخ المنطقة صحراوي قاري، بارد شتاءً حارّ جاف صيفًا؛ يبلغ متوسط الحرارة صيفًا نحو 30 درجة مئوية وتصل العظمى إلى 42 درجة، ويبلغ متوسطها شتاءً 8.5 درجات، وقد تنخفض في يناير إلى ما بين درجتين وسبع درجات تحت الصفر.

وعلى بعد نحو 50 كيلومترًا شمال سكاكا تقع بحيرة دومة الجندل، أكبر بحيرة في المملكة، وتُقام على ضفافها احتفالات ومهرجانات وطنية، وتحيط بها مرافق سياحية وترفيهية جعلتها من أبرز معالم المنطقة.

أقدم الشواهد الأثرية

على بعد 45 كيلومترًا شمال سكاكا يقع موقع الشويحطية، وهو من أقدم مواقع الاستيطان البشري في المملكة، ومن أقدم مواقع الشرق الأدنى القديم، وقد وُجدت فيه أدوات حجرية من الكوارتز تعود إلى ما قبل العصر الأشولي. ووُجدت كذلك أدوات حجرية وفؤوس بدائية تعود إلى 200 ألف عام قبل الميلاد شمال حوض سكاكا وجنوبه الشرقي، وفي وادي السرحان دوائر حجرية وأدوات صوانية من نحو الألف الرابع قبل الميلاد.

وعلى بعد نحو عشرة كيلومترات جنوب سكاكا تنتصب أعمدة الرجاجيل، العائدة إلى الألف الرابع قبل الميلاد، وهي أعمدة حجرية يبلغ ارتفاع كل منها نحو ثلاثة أمتار، تنتظم في مجموعات من أربعة أعمدة تتجه نحو الشروق والغروب، ويبلغ عدد مجموعاتها نحو خمسين. وسُمّيت بالرجاجيل لأنها تبدو من بعيد كرجال واقفين، وكشفت التنقيبات فيها مكتشفات من العصر النحاسي يعود عمرها إلى نحو سبعة آلاف عام، منها مكاشط ومخارز وشفرات وكسر فخارية وحليّ وخرز.

وفي واحة سكاكا موقع الجمل، الذي اكتشفه فريق سعودي فرنسي عام 2016م، ويضم 21 منحوتة لحيوانات بالحجم الطبيعي، أكثرها للإبل، نُفّذت بأسلوب يختلف عن الفن الصخري المألوف في المملكة، ويعود إلى العصر الحجري الحديث بين 5600 و5200 قبل الميلاد. وتذكر سعوديبيديا أنه قد يكون من أقدم مواقع العالم في نحت الحيوانات بحجمها الطبيعي.

دومة الجندل عبر العصور

تبعد دومة الجندل نحو 40 كيلومترًا عن سكاكا، وهي من أهم المدن التاريخية في الجزيرة العربية. وتسمّيها النصوص الآشورية في القرن الثامن قبل الميلاد «أدوماتو»، ويعود أقدم ذكر لها إلى النصف الأول من الألف الأول قبل الميلاد حين شنّ الملك الآشوري سنحاريب حملة على مملكتها، وظلت تحت السلطة الآشورية حتى القرن السادس قبل الميلاد، ثم استولى عليها الملك البابلي نبونيد عام 555 قبل الميلاد. وتصوّر جداريات القصر الشمالي للملك الآشوري آشوربانيبال (668–626 ق.م) معركة بين عرب يمتطون الإبل وآشوريين على الخيول.

وفيها قلعة مارد، القائمة في حي الدرع على تلّ صخري، بأبراجها الأربعة المخروطية في أركانها، وأساساتها الحجرية وأعاليها المبنية بالطوب اللبن، وقد ذكرتها الملكة زنوبيا ملكة تدمر في حملتها بين عامي 267 و272م، وكشفت تنقيبات عام 1976م فيها فخارًا نبطيًا ورومانيًا. ومن معالم الواحة أيضًا مسجد عمر بن الخطاب، الذي وُجدت بقربه كسر فخار ونقش نبطيان، وحي الدرع الأثري، والسوق التاريخي، ومتحف الجوف الإقليمي.

ومن شواهد الحقبة النبطية في المحافظة عملة تحمل صورة شقيلات زوجة الملك الحارث الرابع (9 ق.م – 40م)، ومقابر جماعية في الصنيميات شمال غرب دومة الجندل تعود إلى العصرين النبطي والروماني، ضمّت عظامًا بشرية في أوانٍ مع فخار وخرز وأقراط وعملات نحاسية.

القلاع والقصور والنقوش

في شمال سكاكا، فوق جبل صخري تحيط به مزارع قديمة، تقوم قلعة زعبل، التي توصف بأنها من أقدم قلاع الجزيرة العربية، وتعود إلى الحقبة النبطية بين القرن الأول قبل الميلاد والقرن الأول الميلادي، وتمتد على نحو 5,600 متر مربع، ورُمّمت مرات عدة. وبقربها بئر سيسرا المنحوتة في الصخر، بعمق 15 مترًا اليوم، وبدرج صخري داخلي وقنوات منحوتة.

وفي القريات قصر كاف، على بعد 12 كيلومترًا شمالها عند سفح جبل الصعيدي، ويؤرّخه نقش تأسيسه بعام 1920م، وقد شُيّد من خشب الحور والطين والحديد والحجر على مساحة تقارب 3,005 أمتار مربعة، ويضم أبراجًا مخروطية ومباني للضيافة والحكم والسكن ومسجدًا ومخازن ومطبخًا وسجنًا. وفي الحديثة التابعة للقريات قصر من البازلت الأسود ذو برجين بناه الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود عام 1952م، وفي إثرة قصر يُرجَّح أنه نبطي استُعمل في العصر الإسلامي أيضًا.

وتزخر المنطقة بالنقوش والرسوم الصخرية؛ إذ سُجّل فيها نحو 11,400 رسم على 1,085 صخرة، وتمتد نقوشها الثمودية من القرن الثامن قبل الميلاد إلى القرن الثالث الميلادي، وفي قارة النيصة نقوش نبطية وثمودية وأكثر من مئة نقش إسلامي.

الطاقة والزراعة

توصف الجوف بأنها مركز الطاقة المتجددة في المملكة وركيزة من ركائز تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط؛ ففي محافظة دومة الجندل مزرعة رياح تولّد 400 ميغاواط، وفي سكاكا محطة للطاقة الشمسية الكهروضوئية تنتج 300 ميغاواط على مساحة ستة كيلومترات مربعة.

وهي كذلك سلة غذاء متنوعة وركيزة للأمن الغذائي، تضم مزرعة زيتون حديثة، وتسهم بنحو 16.55% من إنتاج المملكة من الخضراوات، وفيها نحو 3,500 مشروع زراعي و12,500 مزرعة، وتتصدّر مناطق المملكة في الإنتاج الزراعي، وتعتمد على الري بالتنقيط ونظام حاسوبي يحدد كميات المياه وفق بيانات مستشعرات الحقول.

التعليم والنقل

في المنطقة جامعة حكومية واحدة هي جامعة الجوف، وتضم نحو 18 كلية، ومقرها الرئيس في سكاكا، ولها فروع في المحافظات الأخرى.

ويخدم المنطقة مطار الجوف في سكاكا، وتبلغ طاقته الاستيعابية نحو 175 ألف مسافر سنويًا، ومطار القريات الداخلي، فيما يقع مطارا طريف وعرعر الداخليان خارجها على مسافة نحو ساعتين بالسيارة. ويخترقها الطريق رقم 80 الممتد من منطقة تبوك في الشمال الغربي حتى الحدود السعودية العراقية شمال عرعر، وهو الشريان البري الرئيس من دومة الجندل وإليها.

تابع القراءة.